بسم الله الرحمن الرحيم
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(الأنعام: من الآية90)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين من اعز الدين وخذل الكافرين والمرتدين, وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم أصحاب الهمة خير الأمة الثابتين على الدين أجمعين ، أما بعد :
فيشرفنا في المكتب الإعلامي لجيش الفاتحين أن نبدأ بفتح صفحات التاريخ المشرفة المهملة والمنسية منذ مبعث النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام إلى وقتنا الحاضر, ونأخذ منه الدروس والعبر فان كانت مفرحة حمدنا الله عليها وسعينا إلى تقليدها ومحاكاتها والسعي على الثبات على مسيرة السلف رحمهم الله وان كانت غير ذلك أخذنا منها الأسباب التي جعلتها غير ذلك لنتجاوزها وتكون لنا نبراسا في ما تبقى من هذه الحياة الفانية.
ولكننا سنتخذ من التاريخ الميلادي أساسا لطي الصفحات وذلك لثبات التاريخ فيه لعدم اعتماده على القمر كما يعلم المسلم المطلع, وكذلك وللأسف الشديد فان اعتماد المسلمين اليوم على هذا التاريخ هو الطابع العام رغم وجود التاريخ الهجري من عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وسنتدارس حلول ذكرى
استشهاد رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه غدرا 28-1- 661م
إن القلم اعجز من أن يسطر فضائل أمير المؤمنين ومناقبه, ولو كتبنا فيه مجلدات ومجلدات..كما عجز اللسان من قبله كذلك, ولكننا في هذا المقال سنحاول جاهدين أن نختصر ونختصر بما نسأله تعالى أن لا ينقص من فضل صاحب الذكرى شيئا, وأن يمكننا أن نركز على لمحة من بعض صفاته, ولعلكم لن تستغربوا المقدمة إن علمتم أن بطلنا اليوم هو: (الإمام العالم والبطل المقدام أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه)....
صاحب الذكرى هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم...
صاحب الذكرى هو ابن ذاك الرجل الذي كان فقيرا لا مال له, تولى أمر رسول الله بعد وفاة جده, وكان يحب النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعثته حبا شديدا, فإذا خرج أخرجه معه, وظل إلى جانب ابن أخيه حتى بعد إعلان الدعوة إلى الإسلام وأصر على مناصرته وعدم خذلانه..ألا وهو (أبو طالب)...
صاحب الذكرى هو ابن تلك المراة التي أصبحت فيما بعد من الصحابيات الجليلات وهي أول هاشمية تلد هاشميا, وقد حظيت برعاية النبي صلى الله عليه وسلم حينما كفله عمه أبو طالب, فكانت له أماً من بعد أمه تقوم على شئونه وترعى أموره ما استطاعت إلى ذلك سيبلا, وكانت مثالا رضي الله عنها للرأفة والرحمة في معاملة الزهراء رضي الله عنها, ألا وهي السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها.. فقد قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم حين توفيت: (رحمك الله يا أمي, كنت أمي بعد أمي, تجوعين وتشبعينني, وتعرين وتكسينني, وتمنعين نفسك طيبا وتطعمينني, تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة) والبسها بردته لتكون لها كفنا..
فمن ذاك الأب ومن تلك الأم ولد صاحب الذكرى وكفى بتلك الأنساب شرفا..
صاحب الذكرى.. شرفه الله تعالى بان جعل محمدا رسول الله كفيله.. حيث أخذه من والده بعد أن أصابته ضيق ذات اليد.. فكان هذا من اكبر النعم على صاحب الذكرى, إذ رباه وأدبه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أدبه الله عز وجل وجعل خلقه القران, فانعكس هذا الخلق القرآني على صاحب الذكرى, وكفى بتربية النبي صلى الله عليه وسلم تربية, فقد نشأ ببيت النبوة وتعرف على أسراره في مرحلة مبكرة من حياته.. وبهذا كرم الله تعالى وجهه فلم يسجد لصنم قط.. وكان أول فتى دخولا في الإسلام رضي الله عنه..
صاحب الذكرى.. كان مرافقا للرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم..كما كان يطوف معه حين كان صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته على القبائل.. فتعلم منه الصبر على الدعوة.. والصبر على طلب النصرة..
صاحب الذكرى.. الذي استبقاه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة وذلك كي يرد الأمانات إلى أهلها... كما كانت تلك الحادثة دليلا ملموسا على حب سيدنا علي للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم انه قد يقتل مكانه لان قريشا كانت تتربص برسول الله الدوائر ...
صاحب الذكرى.. شرفه الله تعالى بالدخول في كساء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجته فاطمة وولديه الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين...
صاحب الذكرى شرفه الله تعالى بالزواج من سيدة نساء أهل الجنة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وأنجبت له الحسن والحسين رضي الله عنهما, سبطا الحبيب المصطفى وسيدا شباب أهل الجنة...
صاحب الذكرى.. كان ممن تشرف بالاشتراك في غزوة العشيرة.. وغزوة بدر الأولى وكان فيها صاحب الراية البيضاء, وكذلك غزوة بدر الكبرى, كما كان له دور بقتل رافع راية المشركين حينها.. وكذلك غزوة احد حيث بارز رافع راية المشركين طلحة بن عثمان وقطع رجله, وهو من اخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سقط في حفرة أثناء الانسحاب من المعركة, وكان ممن ثبت حول رسول الله وأصيب بست عشرة ضربة, وبعد أن انتهت المعركة أرسله رسول الله بمهمة استخبارية خلف قريش خشية أن يكونوا توجهوا إلى المدينة.. وصاحب الذكرى اشترك في غزوة بني النضير ومكنه الله تعالى من قتل عزوك فجاء برأسه وفر من كان معه من اليهود.. وصاحب الذكرى اشترك في غزوة حمراء الأسد.. صاحب الذكرى له دور كبير في غزوة الأحزاب حيث استطاع رد الخيل التي اقتحمت الخندق من ثغرة فيه, كما كان لصوته الإعلامي دور كبير فيها حيث كان يناجز الكفار بأشعاره الرنانة.. كما اشترك صاحب الذكرى في غزوة بني قريظة فكان على المقدمة ورافع اللواء فيها.. كما كان لصاحب الذكرى دور فعال في صلح الحديبية حين تولى كتابة نص الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش, فكان في تلك الحادثة دلالة كبيرة على حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وثبات عقيدته حين امتنع عن مسح كلمة (رسول الله), فقام النبي بمسحها بنفسه...كما كان له دور كبير في غزوة خيبر الفاصلة ضد اليهود حيث فتح رسول الله حصون خيبر حصنا حصنا حتى عجزوا عن فتح آخرها.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه, يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله).. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس, غدوا على رسول الله كلهم يرجون أن يعطاها, فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي من عينيه, قال: أرسلوا إليه, فأتى به, فبصق رسول الله في عينيه, ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع, فأعطاه الراية, فقال علي: يا رسول الله, أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا, فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم, ثم ادعهم إلى الإسلام, واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه, فو الله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر.. وقتل ملكهم مرحب وهو يقول: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة)... أما في فتح مكة فكان له عدة ادوار من أهمها: انه أحبط محاولة تجسس لصالح قريش بعد أن أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف امرأة تحمل رسالة مهمة من حاطب رضي الله عنه إلى مشركي قريش..كما كان لصاحب الذكرى مهمة إصلاحية عقب فتح مكة إلى بني جذيمة حين اخطأ سيف الله خالد بن الوليد لغتهم حين قالوا له: (صبأنا صبأنا) وفهمها على عكس مرادها.. وفي معركة حنين كان له السبق في الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم حين فرت عنه الجموع وكان له دور في قتل صاحب الراية السوداء حيث تزعزت على أثرها هيبة الكفار.. كما كان له دور في هدم صنم الفلس في بلاد طيء بعد أن أرسله النبي بسرية لذلك.. أما في غزوة تبوك فلم يخرج صاحب الذكرى معهم وذلك لان رسول الله كلفه بخلافته على المدينة, ورغم انه أراد الغزو معهم قائلا لرسول الله: (يا رسول الله أتخلفني في الصبيان والنساء؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى, غير انه لا نبي بعدي).. إنها لشهادة ووسام على صدر ذلك الصحابي الجليل والفارس المغوار والخليفة الراشد.. كما كان صاحب الذكرى صوتا إعلاميا ومرسالا موثوقا في حجة عام 9هـ حيث أمره رسول الله أن يلحق بابي بكر ويبلغه أن يمنع المشركين من دخول المسجد عراة, فكان علي رضي الله عنه سندا في تلك الحجة للصديق فكان يخلفه في كل موقف يقفه ويكرر ما يقوله الصديق على الناس...
كما كان لصاحب الذكرى دور في الدعوة والقضاء في أهل همدان في اليمن.. حيث أسلمت همدان كلها على يديه في يوم واحد. ويحدثنا صاحب الذكرى بنفسه فيقول: بعثني رسول الله إلى اليمن, فقلت له: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء, قال: فوضع يده على صدري, وقال: اللهم ثبت لسانه واهد قلبه, يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع الأخر, ما سمعت من الأول, فانك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء), قال: فما اختلف علي قضاء بعد, أو ما أشكل علي قضاء بعد....كما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وساما أخرا حين قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)..
كما كان لصاحب الذكرى فقها وعلما أهله أن يكون مستشارا لخلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.. كما كانت له تفاسير لكثير من آيات كتاب الله وافقه عليها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.. كما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم صفيه وحبيبه من الأحاديث التي لولا كثرة مصاحبته للنبي عليه الصلاة والسلام لما سمعناها ولا عرفناها...
صاحب الذكرى شرفه الله تعالى بغسل اطهر جسد هو جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: غسلت رسول الله وكان طيبا حيا وميتا, وقال: (بأبي وأمي, طبت حيا وطبت ميتا), وكان علي رضي الله عنه من ضمن من نزل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفن... فيا له من شرف..
صاحب الذكرى كان مستشارا وأمينا وناصحا للصديق في فترة خلافته وبايعه مرتين وليس مرة واحدة... وكان رضي الله عنه يردد على أسماع أهل العراق المغالين فيه وفي اغلب خطبه على منبر الكوفة, فقد أثنى يوما على أبي بكر وعمر وذكر فضلهما بعدما نقل له خوض بعض المغالين فيه بأبي بكر وعمر – إلى أن قال: (...فأعطى المسلمون البيعة طائعين, فكان أول من سبق في ذلك من ولد عبد المطلب أنا.. فمن لكم بمثلهما - رحمة الله عليهما- ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع آثارهما والحبًّ لهما، ألا فمن أحبني فلُيحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه برئ، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، ولكن لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أتيت به يقول هذا بعد اليوم، فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، ولو شئت سميت الثالث، وأستغفر الله لي ولكم)....
صاحب الذكرى كان ممن استشارهم الصديق في قتال أهل الردة, فقال الصديق له: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أقول: انك إن تركت شيئا مما كان أخذه منهم رسول الله فأنت على خلاف سنة الرسول... كما كان مستشارا فقهيا وقضائيا للصديق ومن أراد التوسع فعليه بكتب التاريخ..
صاحب الذكرى تشرف بصلته الوثيقة بالصديق, فكانت المودة والثقة متبادلة, وكانت من المتانة بحيث لا يتصور معها التباعد والاختلاف مما نسجه المبطلون من الأساطير والأباطيل, فالصديقة عائشة بنت الصديق كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم, ومن أحب الناس إليه مهما احترق الحساد ونقم المخالفون, فإنها حقيقة ثابتة, وهي طاهرة مطهرة بشهادة القران, ثم أسماء بنت عميس التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي, فمات عنها وتزوجها الصديق, وولدت له ولدا سماه محمدا وهو الذي ولاه علي على مصر, ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له ولدا سماه يحيى. وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر- حفيد علي رضي الله عنه والإمام الخامس عند الروافض- ومن أراد المزيد فعليه بكتاب الأستاذ إحسان الهي ظهير الذي نقل من كتب الروافض أنفسهم تلك العلاقات العائلية الفريدة..
صاحب الذكرى كان مستشار دولة الفاروق الأول.. فقد استفاد الفاروق من فقه وقضاء علي في تثبيت أركان الدولة الإسلامية.. فقد أنقذ صاحب الذكرى الفاروق في كثير من أحكام الزنا والقتل والجلد وكان هذا من جملة إخباره بأحوال الناس التي لم تستبن بكليتها للفاروق, فكان يعدل عن حكمه ويأخذ بقول علي رضي الله عنه, وكان الفاروق يقول لعلي: عجزت النساء أن تلد مثل علي بن أبي طالب, لولا علي لهلك عمر... فبعد هذا كله ليضرب المعاندون والكذابون رؤوسهم بالحائط...كما كان صاحب الذكرى خليفة للفاروق في ثلاثة مواطن على المدينة منها حين خرج الفاروق إلى ماء صراء قبيل القادسية, وحين خرج الفاروق إلى الشام في فتح بيت المقدس, وحين خرج سيدنا عمر حاجا بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم... كما كان مستشارا عسكريا للفاروق في كل الفتوحات..
كان لصاحب الذكرى علاقة مع الفاروق لا تقل عن تلك التي مع الصديق فكان الفاروق يحب الحسين ويفضله على ابنه عبد الله, ويذكر انه وصلت للفاروق حلل من اليمن, فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما يتخطيان الناس, وعليهما ملابس بسيطة, فقال الفاروق: والله ما هنأ لي ما كسوتكم, قالوا: يا أمير المؤمنين, كسوت رعيتك فأحسنت, قال: من اجل الغلامين يتخطيان الناس وليس عليهما من شيء كبرت عنهما وصغرا عنها, ثم كتب إلى اليمن بحلتين للحسن والحسين فكساهما.. وكان يتفقدهم في كل شاردة وواردة رضي الله عنهم..وفي رواية عن أبي السفر قال: رئُي على علي بن أبي طالب رضي الله عنه برد كان يكثر لبسه قال: فقيل: يا أمير المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال: نعم، إن هذا كسانيه خليلي وصفيي عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ناصح الله فنصحه، ثم بكى... واليوم يتجاسر الأقزام قاتلهم الله على أولئك العظام...كما زوج علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم من الفاروق حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه, ثقة فيه وإقرارا لفضله ومناقبه, واعترافا بمحاسنه وجمال سيرته, فولدت له زيداً ورقية. وهذا فيه أدل دليل على ما كان بينهما من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء الأمة المجيدة, ويرغم أنوفهم. فقد كان عمر يكن لأهل البيت محبة خاصة لا يكنها لغيرهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكرام أهل البيت ورعاية حقوقهم, وكان الفاروق قد تودد إلى سيدنا علي أثناء خطبة ابنته قائلا: فوالله ما على الاراض رجل يرصد من حسن صحبتها ما ارصد, فقال علي: قد فعلت, فاقبل عمر إلى المهاجرين, وهو مسرور قائلا: رفئوني- أي هنئوني- ثم ذكر سبب زواجه من أم كلثوم ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي) فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله سبب.. كما كان حب أهل البيت لعمر واضحا للعيان فمن دلالة محبتهم له تسمية أبناءهم باسمه, حبا وإعجابا بشخصيته, وتقديرا لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة, وإقرارا بالصلات الودية الوطيدة التي تربطه بأهل بيت النبوة, وللرحم والصهر القائم بينه وبينهم, فسمى صاحب الذكرى بعض أولاده (أبو بكر, وعمر, وعثمان) على أسماء أحبائه وأصفيائه.. ونروي هذه القصة لأولئك الفاسدين المفسدين لعلهم يذكرون وإلى ربهم يرجعون, إن نفعت معهم الذكرى..؟
كما جعل الفاروق صاحب الذكرى ضمن الستة المرشحين لخلافته بعد أن طعن رضي الله عنه.. ولو كان الفاروق حاشاه كارها لعلي وناقما عليه لاستثناه من المرشحين..
صاحب الذكرى كان من أوائل المبايعين لعثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أن رجحت الكفة إليه... فكان كما كان لصاحبيه من قبل خير مستشار لعثمان رضي الله عنه في كل المجالات..
أما موقف صاحب الذكرى من فتنة عثمان بن عفان فنوجه الأخ المسلم إلى متابعتها في موسوعة السير للدكتور الصلابي حفظه الله.. لأننا نجد صعوبة في اختصار الموضوع وقد يؤثر الاختصار على أهميته.. إلا أننا نقول إن صاحب الذكرى كان معارضا لكل ما حصل في ذلك اليوم الحزين لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهما...
أما علاقة علي وعثمان العائلية لم تكن بأقل منها من تلك التي كانت مع الفاروق أو بين الصديق والفاروق رضي الله عنهم أجمعين... إن من الواضح لكل منصف أن بني أمية تربطهم علاقة أبناء العمومة والأخوان والخلان, فهم اقرب الناس فيما بينهم, يتبادلون الحب والتقدير والاحترام, ويتقاسمون الهموم والآلام والأحزان, فبنو أمية وبنو هاشم كلهم من أب واحد, وأحفاد جد واحد, وأغصان شجرة واحدة قبل الإسلام وبعده, وكلهم استقوا من عين واحدة ومنبع صاف واحد, واخذوا الثمار من دين الله الحنيف الذي جاء به رسول الله الصادق الأمين, ولقد كان بين أبي سفيان وبين العباس صداقة يضرب بها الأمثال, كما كانت بينهم المصاهرات قبل الإسلام وبعده, فلقد زوج رسول الله بناته الثلاث من الأربعة من بني أمية, من أبي العاص بن الربيع وهو من بني أمية, ومن عثمان بن عفان, وهو مع ذلك ابن بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ولدت مع والد رسول الله عبد الله, فأروى بنت كريز بنت حبيب وهي أم عثمان رضي الله عنه وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله, وحفيدة سيدنا علي وبنت الحسين سكينة كانت متزوجة من حفيد عثمان وهو زيد بن عمرو بن عثمان رضي الله عنهم أجمعين, وحفيدة علي الثانية وابنة الحسين فاطمة كانت متزوجة من حفيد عثمان الآخر محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان.. فما ضر هؤلاء الطيبين الطاهرين ما أحدثه من جاء بعدهم؟؟
صاحب الذكرى رضي الله عنه بويع خليفة للمسلمين بعد استشهاد سيدنا عثمان فقد اجبر على الخلافة إجبارا لأنه كان معتزلا في بيته فقد كان يقول: لولا الخشية على دين الله لم اجبهم... انعقد إجماع أهل الحل والعقد على أن عليا رضي الله عنه كان متعينا للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه لبيعة المهاجرين والأنصار له, لما رأوا لفضله على من بقي من الصحابة, وانه أقدمهم أسلاما, وأوفرهم علما, وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسبا, وأشجعهم نفسا وأحبهم إلى الله ورسوله, وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق, وارفعهم درجة وأشرفهم منزلة, وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا, فكان رضي الله عنه متعينا للخلافة دون غيره, وقد قام من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع, فكان حينئذ إماما حقا وجب على سائر الناس طاعته..
كان يوم البيعة يوما حافلا وحاسما, فقد خرج أمير المؤمنين وقد لبس ملابسه كاملة, ثم بعد الحمد والثناء على الله بين للناس المحاولات التي بذلت معه وقال: إني كنت كارها لأمركم, فأبيتم إلا أن أكون عليكم, ألا وانه ليس لي أمر دونكم, ألا إن مفاتيح مالكم معي, ألا وانه ليس لي أن اخذ منه درهما دونكم.. ثم قال: يا أيها الناس: إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم, وقد افترقنا بالأمس على أمر, فان شئتم قعدت لكم, وإلا فلا أجد على احد, ثم رفع صوته قائلا: رضيتم؟ قالوا: نعم, قال: الله اشهد عليهم, واقبل الناس يبايعونه, وبعد أداء البيعة قال أمير المؤمنين: أيها الناس: إنكم بايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي, فإذا بايعتموني فلا خيار لكم علي, وعلى الإمام الاستقامة, وعلى الرعية التسليم)...
كان عهد خلافته رضي الله عنه.. عهدا مليئا بالملابسات والفتن وقد عانى رضي الله عنه من مشاكل كثيرة لولا أن الله قدر أن تحدث في عصر ذلك الخليفة الراشد والإمام العادل والفقيه الزاهد والفارس المغوار لما فهم الفقهاء الكثير من الأحكام منها قتال الخوارج وقتال الفئة الباغية وهكذا... فقد تمكن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بغزير علمه وسعة فقهه أن يضع قواعد وأحكامًا وهي ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار أهل السنة من أئمة العلم والفقهاء على سيرته في البغاة، واستنبطوا من هديه الراشدي الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن، حتى قال جلة أهل العلم: (لولا حرب علي لمن خالفه لما عرفت السُّنة في قتال أهل القبلة)...
صاحب الذكرى أولى اهتمامه بالعلم والعلماء ووطد جهده لنشر العلم في الأمصار المفتوحة لأنه رضي الله عنه يعلم أن كل ما قد يحصل من مشاكل سببها الرئيسي هو جهل أصحابها بهذا الدين أو فهم أحكامه على ظاهرها, بل وكان يفضل العالم على المجاهد فيقول: (العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد, وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف مثله)..
صاحب الذكرى لم يغير شيئا مما فعله أصحابه الثلاثة من قبله وأدار الدولة الإسلامية بما تركوه عليها.. وكان يركز على أمور العقيدة كثيرا ويحرض الأمة على عدم المبالغة في الأشخاص ويحرض الأمة على محو كل آثار الجاهلية.. فلما أراد أمير المؤمنين أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم, فقال: يا أمير المؤمنين, لا تسافر, فان القمر على العقرب, فانك إن سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك.. فقال علي: بل أسافر ثقة بالله وتوكلا على الله وتكذيبا لك.. وهكذا كان مثالا ومعلما في العقيدة.. بل كان يعلم تقول الناس وكذبهم فلما رجع من معركة النهروان منتصرا قال: لو سرنا في الساعة التي امرنا المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره الله بها المنجم فظفر.. فكان يعلم نفاق المنافقين وافتراءاتهم..
صاحب الذكرى.. كان مثالا في كل شيء وعيشه مع بنت نبي الله صلى الله عليه وسلم كان مثالا واضحا وقدوة صالحة لمن بعدهم.. كانت معيشة زهد وتقشف, وصبر وجهد, قال صاحب الذكرى: مكثنا أياما ليس عندنا شيء, ولا عند النبي صلى الله عليه وسلم, فخرجت فإذا بدينار مطروح على الطريق, فمكثت هنيهة اؤامر نفسي في أخذه أو تركه, ثم أخذته لما بنا من الجهد, فاشتريت به دقيقا, ثم أتيت به فاطمة فقلت: اعجني واخبزي, فجعلت تعجن وان قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذب بها ثم خبزت, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم, فأخبرته, فقال: كلوه فانه رزق رزقكموه الله عز وجل.. كما كان صاحب الذكرى يتحدث عن أثاث منزلها فيقول: مالي ولها- أي فاطمة - فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل, ونعلف عليه ناضحنا بالنهار, ومالي خادم غيرها.. فسبحان الله تعالى..
وكانت لتلك الأيام طعما لذيذا في نفس صاحب الذكرى حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه وفاطمة أن يسبحا الله ثلاثا وثلاثين ويحمداه مثلها ويكبراه مثلها قبل النوم, وكان ذلك بعد أن طلبت خادما لها, ويمر الزمن بالفتى علي فيصبح خليفة للمسلمين, فإذا به من آثار تلك التربية يترفع عن الدنيا وزخارفها وبيده كنوز الأرض وخيراتها, لان ذكر الله يملأ قلبه ويغمر وجوده, ولقد حافظ على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له, حتى قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن, فسأله احد الصحابة: ولا ليلة صفين؟ فقال: ولا ليلة صفين... وكان صاحب الذكرى يرقع قميصه وعندما يسأل عن ذلك, وخزائن الدنيا تحت يديه يقول: (يخشع القلب ويقتدي به المؤمن).. كلمات قليلة بمعان عظيمة...
كما ضرب صاحب الذكرى أمثلة رائعة في التواضع منها انه شوهد راكبا لحمار ويدلي رجليه إلى موضع واحد ويقول: (أنا الذي أهنت الدنيا), وهكذا يشعر أمير المؤمنين بالفرح لانتصاره على نفسه.. وشوهد يوما يشتري تمرا ويحمله بلحاف على ظهره, فقال له المسلمون: نحمل عنك يا أمير المؤمنين, قال: لا أبو العيال أحق إن يحمل.. وهذا مثال أخر على تواضعه حيث حمل متاعه بنفسه مع كونه أمير المؤمنين ومع كبر سنه.. وقد رويت عنه الكثير من الأحاديث التي تحث على التواضع فيقول: (تواضع المرء يكرمه), ويقول: (ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله, و أحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله عز وجل).. وكان رضي الله عنه عندما يسمع من يثني عليه يقول: (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون, ولا تؤاخذني بما يقولون, واجعلني خيرا مما يظنون)... فأين دعاة حب علي وآله؟ وأين دعاة الإقتداء بذلك الكريم الجواد؟ وأين عبدة القبور وزوار الأضرحة؟ والله لو كان بيننا لقطع أعناق أئمتهم وطهر الأرض من رجسهم..
كما كان صاحب الذكرى مثالا للكرم والجود فكان يقول: (أكرم عشيرتك, فإنهم جناحك الذي به تطير, وانك بهم تصول, وبهم تطول, وهم العدة عند الشدة, أكرم كريمهم, وعد سقيمهم, وأشركهم في أمورك, ويسر عن معسرهم)...
لقد واجه صاحب الذكرى مشاكل داخلية يشيب لها الولدان عقب مقتل سيدنا عثمان, فانقسم الصحابة الكرام إلى فريقين كل حسب علمه واجتهاده رضي الله عنهم فمنهم من طالب بالثأر المباشر من قتلة عثمان ومنهم من رأى البيعة ثم الثأر.. وكان لليهود السبأيين دور واضح في تأجيج تلك الفتن.. فواجه سيدنا علي ظلم الأصحاب وقتال الأحباب.. وواجه المكفرين والمغالين... فقاتل الخوارج.. وحرق وقتل المغالين فيه.. ولم تسلم تلك المعارك من افتراءات وادعاءات أضيفت إلى فصول أحداثها كان هدفها خسيسا حقيرا.. ولذا على أهل الإسلام إن يحذروا حين يقرأوا عن معارك الجمل وصفين والنهروان من كتب التلفيق والطعن ونوصيهم إن يقرأوا كتاب الصلابي في سيرة علي بن أبي طالب ففيه المطلوب.. لقد شغل صاحب الذكرى عن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية بإطفاء الفتن الداخلية هنا وهناك.. وكان لها رضي الله عنه فكان أحق بأمر الأمة من غيره ولولاه بعد فضل الله جل وعلا لبقيت الحروب ممتدة إلى يومنا هذا..
بعد سنوات عصيبة مرت بهذه الأمة وبعد سقوط الهدنة مع سيدنا معاوية, ولما لم يتمكن صاحب الذكرى من تجهيز الجيش بما يصبو ويريد, ورأى خذلانهم, كره الحياة وتمنى الموت, وكان يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه عز وجل إن يعجل منيته, فمما روي عنه انه خطب يوما في الكوفة فقال: اللهم إني قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني فأرحني منهم وأرحهم مني, فما يمنع أشقاكم إن يخضبها بدم- ووضع يده على لحيته-.. وقد ألح صاحب الذكرى في الدعاء أيامه الأخيرة... وقد روي انه يوما ازدحم الناس على علي رضي الله عنه حتى وطئوا على رجله فقال: إني قد مللتهم وملوني, وأبغضتهم وابغضوني, فأرحني منهم وأرحهم مني... وهؤلاء الذين خاطبهم سيدنا علي هم أجداد من يلطم الخدود ويضرب الصدور حزنا على آل البيت.. نفاقا وكذبا وزورا فهم من قال فيهم سيدنا علي انه يبغضهم.. وفي احد الأيام استدعى سيدنا علي ابنه الأكبر الحسن وقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي, فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: ادع عليهم, قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خيرا منهم, وأبدلهم من هو شر مني لهم... وفعلا يا صاحب الذكرى لقد أبدلك الله خيرا منا (أهل العراق).. وأبدلنا من هو حاشاك أنت شرا منك.. فالحجاج ومن تبعه كانوا ثمارا لدعوتك..
لقد كانت فراسة صاحب الذكرى واسعة فهو عندما رأى عبد الرحمن بن ملجم قال: أما إن هذا قاتلي, قيل له: فما يمنعك منه؟ قال: انه لم يقتلني بعد... فقيل له: استخلف علينا.. قال: لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك, ثم قبضتني إليك وأنت فيهم, فان شئت أصلحتهم, وان شئت أفسدتهم.. وقد كان صاحب الذكرى يروي حديثا عن حبيبه المصطفى فيقول, قال لي: (انك ستضرب ضربة ههنا- وأشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتى يخضب لحيتك, ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود)..
ونسرد الآن قصة ابن ملجم وكيف خطط لعمليته الجبانة.. حيث التقى رجلا من أشجع, فقال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال الرجل: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب, قال: ثكلتك أمك, لقد جئت شيئا ادا, كيف تقدر على علي, قال: اكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الفجر شدننا عليه فقتلناه, فان نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا, وان قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها, قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون علي, قد عرفت بلاءه في الإسلام, وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني انشرح لقتله, قال المجرم الخارجي: أما تعلم انه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى, قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا, فأجابه ذلك المعتوه.. وقد ذكر الذهبي عن ابن ملجم قاتل علي انه خارجي مفتر, شهد فتح مصر, واختلط بها مع الأشراف, وكان ممن قرأ القران والفقه, وهو احد بني تدول وكان فارسهم في مصر, قرأ القران على معاذ بن جبل, وكان من العباد... ورغم ذلك كله فقد زين له الشيطان عمله, قال تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف:104)...
تحركت العصابة في العشر الأواخر من شهر رمضان وفي فجر 21 من عام 40هـ وفي يوم الجمعة, اخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها أمير المؤمنين وهي مكان أمام المسجد الأعظم يقوم فيه أهل الأمصار ويصلون فكان سيدنا علي يمر من عندهم لإيقاظهم لصلاة الفجر, فلما خرج ضربه رجل بني أشجع بالسيف, فوقع سيفه خطأ بعضادة الباب وذلك من هيبة أبو الحسن, فأدركه من جهة أخرى ابن ملجم بضربة برأسه وهو يصيح: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك.. ثم سقط الإمام على الأرض والدم يخضب لحيته وهو يقول: لا يفوتنكم الرجل... فهرب الاثنان فأما الأول فقد هرب ونجا, وأما ابن ملجم فأخذوه, فلما تأخر علي صلى احد أصحابه الفجر بالناس, وبعد الصلاة استدعى سيدنا علي الرجل رغم ما به من الم, فادخل الرجل عليه ثم قال له: أي عدو الله, الم أحسن إليك؟ قال: بلى, قال: ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا- أي حد سيفه-, وسالت الله إن يقتل به شر خلقه, فقال أمير المؤمنين علي: لا أراك إلا مقتولا به, ولا أراك إلا من شر خلقه.. النفس بالنفس, أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني, وان بقيت رأيت فيه رأيي...
ولما انتشر الخبر دخل الناس فزعين على الحسن لما حدث من أمر علي, فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه, إذا نادته أم كلثوم بنت سيدنا علي وهي تبكي: أي عدو الله, لا باس على أبي, والله مخزيك, فقال المجرم الوقح: على من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف, وسممته بألف, ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم احد.. انه حقد الخوارج الدفين في كل وقت وحين..
جمع الأطباء لعلي يوم جرح, وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو, وكان صاحب كسرى, فلما فحصه إذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه, فقال: يا أمير المؤمنين, اعهد عهدك فانك ميت... فدخل عليه أصحابه وطلبوا منه مبايعة الحسن, قال: ما أمركم ولا أنهاكم, انتم أبصر..
وبعد إن اشتد الألم في جسد بطل خيبر.. استدعى أولاده الثلاثة (الحسن, والحسين, ومحمد بن الحنفية) وقال مخاطبا الحسن والحسين: (أوصيكما بتقوى الله, وألا تبغيا الدنيا وان بغتكما, ولا تبكيا على شيء زوى عنكما, وقولا الحق, وارحما اليتيم, وأغيثا الملهوف, واصنعا للآخرة, وكونا للظالم خصما, وللمظلوم ناصرا, واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم), ثم نظر إلى محمد بن الحنفية وقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم, قال: فاني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك, فاتبع أمرهما, ولا تقطع أمرا دونهما, ثم قال للحسن والحسين: أوصيكما به, فانه ابن أبيكما, وقد علمتما إن أباكما كان يحبه, ثم التفت إلى الحسن وقال: (أوصيك أي بني بتقوى الله, وأقام الصلاة لوقتها, وإيتاء الزكاة عند محلها, وحسن الوضوء, فانه لا صلاة إلا بطهور, ولا تقبل صلاة من مانع زكاة, وأوصيك بغفر الذنب, وكظم الغيظ, وصلة الرحم, والحلم عند الجهل, والتفقه في الدين, والتثبت في الأمر, والتعهد للقران, وحسن الجوار, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, واجتناب الفواحش).. وكان توجيه الكلام للحسن فيه فراسة كبيرة لأنه يعلم انه سيصلح الله به أمر هذه الأمة في عام الجماعة..
وعندما شعر أمير المؤمنين بدنو اجله لم ينس قاتله فقال: احبسوا الرجل فان مت فاقتلوه, وإن اعش فالجروح قصاص, أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره, فان صححت فانا ولي دمي أعفو إن شئت وان شئت استقدت.. كما نهى ابنه الحسن عن المثلة وقال: يا بني عبد المطلب, لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين, تقولون: قتل أمير المؤمنين, قتل أمير المؤمنين, ألا لا يقتلن, انظر يا حسن, إن مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة, ولا تمثل بالرجل, فاني سمعت رسول الله يقول: ( إياكم والمثلة ولو إنها بالكلب العقور)- فما سمع ذلك دعاة حب آل البيت وهم يعذبون المسلمين في سجونهم السرية بالمثاقب والنار والمواد الكيميائية الحارقة وذلك انتقاما لأهل البيت كما يدعون قاتلهم الله؟! -... وتذكر الرواية التاريخية المشهورة: فلما قبض علي -رضي الله عنه- بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك الله على إن لم أقتله -أو قتلته- ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله, والتزم بوصية أمير المؤمنين علي في معاملة عبد الرحمن بن ملجم عليه من الله ما يستحق...
لقد قضى أمير المؤمنين علي أربع سنين وتسعة اشهر وثلاثة أيام في خضم تلك الفتن والمآسي وحسبه ما شهد له رسول الله من فضل ومأثرة..
وتولى غسله رضي الله عنه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم, وصلى عليه الحسن, وأما موضع دفنه فقد اختلف فيه, و المهم إن ارض العراق تشرفت بجثمانه وخاصة ارض الكوفة حررها الله من أتباع فارس, أما القبر الموجود اليوم بالنجف بما يسمى مشهد علي فكان على أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية وكانوا من الشيعة الروافض, وقد صنع الشيعة ذلك على عاداتهم في القرن الرابع, وقيل انه قبر المغيرة بن شعبة كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله...
وفي ختام هذه المقالة نتطرق إلى ما قاله سيدنا معاوية رضي الله عنه عندما استقبل خبر مقتل علي حيث جعل يبكي, فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك انك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم, وكان معاوية رضي الله عنه يكتب فيما ينزل به يسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك, فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب, فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام, فقال له: دعني عنك, وقد طلب معاوية في خلافته من ضرار الصدائي إن يصف له عليا فقال: اعفني يا أمير المؤمنين, قال: لتصفنه, قال: أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى, شديد القوى, يقول فصلا, ويحكم عدلا, يتفجر العلم من جوانبه, وتنطق الحكمة من نواحيه, ويستوحش من الدنيا وزهرتها, ويستأنس بالليل ووحشته, وكان غزير العبرة, طويل الفكرة, يعجبه من اللباس ما قصر, ومن الطعام ما خشن, وكان فينا كأحدنا, يجيبنا إذا سألناه, وينبئنا إذا استنبأناه, واشهد إني قد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله, وغارت نجومه, قابضا على لحيته, يتململ تململ السليم, ويبكي بكاء الحزين, ويقول: يا دنيا غري غيري, إلي تعرضت أم إلي تشوفت! هيهات هيهات, قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها, فعمرك قصير, وخطرك قليل, آه من قلة الزاد, وبعد السفر, ووحشة الطريق.. فبكى معاوية رضي الله عنه وقال: رحم الله أبا الحسن, كان والله كذلك, فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها...
نعم.. تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا.. فهم الإخوة الأحباب رضي الله عنهم وأرضاهم.. فعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده, فسلمت عليه وجلست, فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فادخلا بيتا واجيف الباب وأنا انظر, فما كان بأسرع من إن خرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة, فما كان بأسرع من إن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة... فليكن كلامنا ومقالنا مناسبا لحضرة سادتنا وأمرائنا أصحاب رسول الله الأطهار..
وهكذا خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وطيب ثراه من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم, وقد طويت بوفاته صفحة من انصع صفحات التاريخ وأنقاها, فقد عرف فيه التاريخ رجل فذا من طراز فريد, كانت همته في رضا الله تعالى, وكان همه انتصار الإسلام, وأعظم أمانيه سيادة أحكام الله في دنيا الناس, وأقصى غايته تحقيق العدالة بين أفراد رعيته..
ويكفي ردا على دعاة محبة علي.. قوله في أبي بكر وعمر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر, ثم ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر: عمر.. وعن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر, قلت: ثم من؟ قال: عمر, وخشيت أن يقول عثمان, قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين, وقال أمير المؤمنين علي: لا يفضلني احد على أبي بكر وعمر إلا وجلدته حد المفتري... وقوله في عمر: إن عمر كان رشيد الأمر..
فاخسئوا يا دعاة حب آل البيت وابشروا بغضب الله ورسوله.. فلو كنتم صادقين في محبتكم لأحسنتم إتباعه وأنصفتم أصحابه..
قل إن خير الأنبياء محمد واجل من يمشي على الكثبان
وأجل صحب الرسل صحب محمد وكذاك أفضل صحبه العمران
رجلان قد خلقا لنصر محمد بدمي ونفسي ذانك الرجلان
فهما اللذان تظاهرا لنبينا في نصره وهما له صهران
بنتاهما أسنى نساء نبينا وهما له بالوحي صاحبتان
أبواهما أسنى صحابة احمد يا حبذا الأبوان والبنتان
وهما وزيراه اللذان هما لفضائل الأعمال مستبقان
وهما لأحمد ناظراه وسمعه وبقربه في القبر مضطجعان
كانا على الإسلام أشفق أهله وهما لدين محمد جبلان
أصفاهما أقواهما أخشاهما أتقاهما في السر والإعلان
أسناهما أزكاهما أعلاهما أوفاهم في الوزن والرجحان
صديق احمد صاحب الغار الذي هو في المغارة والنبي اثنان
اعني: أبا بكر الذي لم يختلف من شرعنا في فضله رجلان
هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم وإمامهم حقا بلا بطلان
وأبو المطهرة التي تنزيهها قد جاءنا في النور والفرقان
أكرم بعايشة الرضا من حرة بكر مطهرة الإزار حصان
هي زوج خير الأنبياء وبكره وعروسه من جملة النسوان
هي عرسه هي أنسه هي إلفه هي حبه صدقا بلا ادهان
أو ليس والدها يصافي بعلها وهما بروح الله مؤتلفان
لما قضى صديق أحمد نحبه دفع الخلافة للإمام الثاني
أعني به الفاروق فرق عنوة بالسيف بين الكفر والإيمان
هو أظهر الإسلام بعد خفائه ومحا الظلام وباح بالكتمان
ومضى وخلى الأمر شورى بينهم في الأمر فاجتمعوا على عثمان
من كان يسهر ليله في ركعة وترا فيكمل ختمة القران
ولى الخلافة صهر احمد بعده أعني علي العالم الرباني
زوج البتول أخا الرسول وركنه ليث الحروب منازل الأقران
سبحان من جعل الخلافة رتبة وبنى الإمامة أيما بنيان
واستخلف الأصحاب كي لا يدعي من بعد احمد في النبوة ثاني
أكرم بفاطمة البتول وبعلها وبمن هما لمحمد سبطان
غصنان أصلهما بروضة أحمد لله در الأصل والغصنان
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
الهيئة الإعلامية
جيش الفاتحين
مواقع النشر (المفضلة)